لغز اختفاء النقيب أحمد شكر: استدراج استخباري معقّد… ومصادر تكشف خيوط الموساد

لغز اختفاء النقيب أحمد شكر: استدراج استخباري معقّد… ومصادر تكشف خيوط الموساد
من صفقة عقارية وهمية إلى عملية نظيفة بلا أثر: تحقيق خاص يكشف ما وراء الكواليس
خاص _ ميديا برس ليبانون
ميديابرس ليبانون |لبنان || في واحدة من أكثر القضايا الأمنية غموضاً منذ سنوات، لا يزال مصير النقيب المتقاعد في الأمن العام اللبناني أحمد شكر مجهولاً، بعد اختفائه في ظروف استثنائية تتقاطع عندها الخديعة العقارية مع العمل الاستخباري المحترف، وسط ترجيحات أمنية وقضائية – لم يُعلَن عنها رسمياً – تشير إلى تورّط مباشر للاستخبارات الإسرائيلية.
تحقيق “ميديا برس ليبانون”، استناداً إلى رواية العائلة ومعطيات من مصادر أمنية مطّلعة، يكشف للمرة الأولى تسلسل الوقائع التي سبقت الاختفاء، ويضيء على نقاط شديدة الحساسية تتجاوز الإطار الشخصي إلى البعد الأمني الإقليمي.
البداية: مغترب معروف… وثقة بُنيت على الوقت
بحسب شقيقه عبد السلام شكر، فإن خيوط القضية بدأت قبل أشهر، عندما تواصل مغترب لبناني مقيم في كينشاسا (ع. م.) مع أحمد شكر طالباً استئجار شقته في منطقة الشويفات. العلاقة بدت طبيعية، تخللتها زيارات متكررة إلى لبنان، ما عزّز منسوب الثقة، ودفع شكر إلى التعامل معه من دون أي شكوك.
لاحقاً، انتقلت العلاقة إلى مستوى أكثر حساسية، حين عرض المغترب مساعدة شخص ادّعى أنه “مموّل كبير في أفريقيا” يُدعى سليم كساب – تبيّن لاحقاً أنه اسم وهمي – في شراء قطعة أرض في منطقة زحلة.
معاينة… ثم موعد في توقيت مشبوه
قام المغترب بمعاينة الأرض بنفسه، ثم عاد بعد مغادرته لبنان ليبلغ شكر أن المموّل وافق على الشراء، محدداً موعد اللقاء عند الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم اختفاء أحمد شكر.
مصادر مطّلعة تشير إلى أن هذا التوقيت بحد ذاته شكّل نقطة ريبة، إذ أصرّ المغترب عليه رغم اعتراض شكر بسبب حلول العتمة وعدم إمكانية معاينة الأرض بدقة. قبل الموعد بساعات، انسحب المغترب فجأة، مدّعياً تعرّضه لكسر في قدمه، مؤكداً أن “المموّل” سيحضر وحده برفقة شكر. في تلك اللحظة، دخل أحمد شكر إلى المجهول.
عملية نظيفة… بلا بصمات
تفيد معلومات أمنية غير معلنة بأن الخاطفين كانوا قد استأجروا شقة في منطقة ضهور زحلة، جرى تنظيفها بالكامل بعد تنفيذ العملية، من دون ترك أي بصمات أو آثار تقنية.
كما أظهرت كاميرات المراقبة تحرّك سيارة باتجاه بلدة الصويرة في البقاع الغربي، قبل أن تختفي كل الخيوط هناك. وتكشف مصادر أمنية أن هذه المنطقة كانت تُستخدم سابقاً كممر تهريب بين جنوب غرب دمشق والأراضي اللبنانية، ما يعزز فرضية العملية العابرة للحدود.
حتى الساعة، لم تُعرف هوية السيارة، ولم يُعثر على أي دليل مادي.
لماذا أحمد شكر؟
السؤال المركزي الذي يشغل الأجهزة والعائلة معاً: ما الذي يجعل ضابطاً متقاعداً هدفاً لعملية بهذا المستوى؟.
أحمد شكر خدم في الأمن العام لنحو أربعين عاماً، متنقلاً بين مراكز حدودية حساسة أبرزها المصنع والقاع. دخل السلك العسكري عام 1979، وكان “ابن دولة” بامتياز، في الخدمة الرسمية عند اختفاء الطيار الإسرائيلي رون آراد عام 1986.
العائلة تنفي بشكل قاطع أي ارتباط حزبي أو سياسي، وتؤكد أن شكر، منذ تقاعده قبل تسع سنوات، التزم منزله في البقاع، ولم يغادر المنطقة، ولم ينخرط في أي نشاط عام أو خاص.
إسقاط فرضيات… وتثبيت أخرى
وتردّ العائلة بحزم على محاولات ربطها أو ربط شكر بالقيادي في “حزب الله” فؤاد شكر الذي اغتالته إسرائيل عام 2024، مؤكدة عدم وجود أي صلة أو علاقة، لا من قريب ولا من بعيد.
في المقابل، تضع العائلة والمصادر الأمنية علامة استفهام كبرى حول دور المغترب (ع. م.)، الذي انقطع عن التواصل فور الاختفاء، ولم يعد يرد على أي اتصالات، رغم أن كل بياناته ومقاطع مصوّرة عنه باتت في حوزة الأجهزة الأمنية اللبنانية.
تحرّك رسمي خجول… وضغط ديني – سياسي
لم يتخذ الملف منحى جدياً على المستوى الرسمي إلا بعد اتصالات أجراها نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ووزير الداخلية أحمد الحجار.
وبحسب ما تؤكده العائلة، تعهّد الرئيس عون بتكليف الأجهزة الأمنية والقضائية توسيع التحقيقات، فيما يتابع رئيس مجلس النواب نبيه بري الملف عبر قنوات سياسية وأمنية.
مطلب واضح: الحقيقة فقط
يؤكد عبد السلام شكر أن العائلة لا تطلب تحليلات ولا تسريبات، بل موقفاً رسمياً واضحاً: “نريد تأكيداً أو نفياً من الدولة، لا من الإعلام. المرجعية الوحيدة بالنسبة لنا هي الأمن العام وشعبة المعلومات”.
كما يطالب الدولة اللبنانية باللجوء إلى الإنتربول لتوقيف المغترب (ع. م.) وإحضاره إلى لبنان للتحقيق، معتبراً أن “لغز الاختفاء موجود لديه”.
قضية أمن دولة لا ملف فردي
قضية أحمد شكر لم تعد مسألة اختفاء شخصي، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على كشف عملية استخبارية معقّدة نُفّذت على أرضها، بصمت ودقة، ومن دون ترك أي أثر.
ومع مرور الوقت، يبقى السؤال الأخطر:
هل ما كُشف حتى الآن هو كل الحقيقة… أم أن ما لم يُكشف بعد هو الأخطر؟.
إعداد وتحرير: ميديا برس ليبانون – القسم السياسي والتحقيقي



