زحلة أمام لحظة الحقيقة: إمّا استعادة الكلمة الكاثوليكية… أو تكريس الوصاية من الخارج

مع اقتراب الاستحقاق النيابي، لم يعد النقاش محصوراً بالأسماء ولا بالتحالفات، بل أصبح نقاشاً وجودياً حول القرار والتمثيل والهوية. وفي زحلة تحديداً، يعلو سؤال لا يمكن القفز فوقه: لماذا خرجت الكلمة الكاثوليكية من بيتها الطبيعي؟ ومن يتحمّل مسؤولية تحويل زحلة، عاصمة الكاثوليك في لبنان، إلى ساحة يُقرَّر فيها من الخارج؟
الاستحقاق المقبل ليس عادياً، ولا يمكن التعامل معه كجولة انتخابية روتينية. هو محطة لاستعادة التوازن، وتصحيح خلل سياسي فادح دفع ثمنه الزحليون، وخصوصاً الكاثوليك، حين تراجع دورهم لمصلحة تمثيل مُفروض، لا يُشبه تاريخ المدينة ولا وزنها ولا تضحياتها.
في هذا المشهد، يبرز النائب ميشال ضاهر كخيار ثابت في زمن التقلّبات، وكحالة سياسية لا يمكن تجاوزها. معركته المقبلة تبدو مختلفة جذرياً عن سابقاتها، ليس بسبب ضعف الخصوم، بل بسبب قوة الحضور. ما راكمه ضاهر خلال سنوات من العمل المتواصل، تحوّل إلى قاعدة صلبة، سياسية وشعبية وإنمائية، تجعل الحديث عن ولاية ثالثة أمراً طبيعياً لا استثنائياً.
الأرقام لا تكذب. استطلاعات الرأي تؤكّد ارتفاعاً واضحاً في شعبيته داخل مدينة زحلة، وتقدّماً نوعياً في القرى المسيحية، إضافة إلى اختراق غير مسبوق لدى الناخبين السنّة الذين يرون فيه نموذجاً للنائب الذي لم يساوم على السيادة، ولم يتاجر بالخدمات، ولم يتعامل بفوقية أو تمييز. هذا الالتفاف لم يولد من رحم الخطابات، بل من واقع يومي عاشه الناس في أصعب مراحل الانهيار.
لكن جوهر المعركة يبقى كاثوليكياً بامتياز. زحلة لم تكن يوماً مدينة هامشية، ولا تابعاً سياسياً لأحد. هي مدينة القرار، ورافعة الحضور الكاثوليكي في الدولة، وحين سُحبت منها كلمتها، تراجع وزنها وتقدّم من لا يمثّل وجدانها ولا تاريخها. اليوم، يقف الناخب الكاثوليكي أمام مسؤولية واضحة: إما استعادة صوته ودوره، أو القبول باستمرار المصادرة.
ميشال ضاهر لم يتنصّل يوماً من رمزية المقعد الكاثوليكي، ولم يتعامل معه كرقم انتخابي. على العكس، أدرك أن هذا الموقع مسؤولية، وأن تمثيل الكاثوليك في زحلة ليس تفويضاً عابراً، بل أمانة سياسية وتاريخية. وفي الوقت نفسه، لم ينغلق داخل الطائفة، بل قدّم نموذجاً للنائب الذي يجمع ولا يفرّق، ويحمي الهوية من دون أن يحوّلها إلى أداة صراع.
في زمن غياب الدولة، كان حاضراً. في زمن الانهيار، كان داعماً. آلاف فرص العمل، مئات المبادرات الاجتماعية، حضور دائم في القرى والمدينة، شبكة أمان حقيقية لعائلات رفضت الهجرة وصمدت في أرضها. هذا ليس خطاباً انتخابياً، بل وقائع يعرفها البقاعيون جيداً، ويقارنون بينها وبين من يظهرون فجأة كل أربع سنوات.
الناخب الزحلي يملك ذاكرة، والناخب الكاثوليكي يملك وعياً سياسياً عميقاً. يعرف من كان معه حين احتاج، ومن استيقظ عليه عند اقتراب الصناديق. يعرف من دافع عن كرامة زحلة، ومن قبل أن تُدار من الخارج. ومن هنا، تصبح المعركة معركة كرامة سياسية قبل أن تكون معركة أرقام.
الاستحقاق المقبل هو فرصة أخيرة لإعادة تثبيت زحلة في موقعها الطبيعي. استعادة الكلمة الكاثوليكية ليست موجّهة ضد أحد، لكنها رسالة واضحة بأن زحلة تريد نوابها منها، وقرارها بيدها، وتمثيلها نابعاً من نبضها لا مفروضاً عليها.
ومن هذا المنطلق، يتحوّل الخيار إلى موقف، والصوت إلى فعل، والانتخاب إلى استعادة دور، لا إلى تكرار خطأ.








