“القوات” بين تجديد الوجوه وثبات القيادة…

ما تقوم به “القوات اللبنانية” من عمليّة تجديد وتغيير يُعدّ، في جوهره الديمقراطي العام، خطوة إيجابية ومطلوبة. فمن البديهي في الحياة الحزبيّة السليمة أن يُفسح المجال دورياً أمام وجوه نيابية جديدة، وأن يُضخّ دم سياسي متجدد في المؤسسات التشريعية. غير أنّ الأهم من التغيير ذاته أن تبقى معراب وفيةً لذاكرة التضحيات، حافظةً لمسيرة نواب شكّلوا صورة مشرّفة لها وللبنان معاً، فبمعزل عن الاصطفافات السياسية، لم يُعرف عن نائب قواتي أنه انحدر يوماً إلى موجة “سخيفة” أو انزلاق شخصي في خصومته، إنّما العكس تماماً حافظوا على احترامهم لذواتهم وللمواطنين، حتى في أشدّ المواقف وضوحاً وحدّة.
وعشية استحقاق أيار 2026، يبقى الأمل أن تحمل المرحلة المقبلة مشرّعين بمستوى الريّس جورج عقيص في الصلابة الدستورية والجدارة القانونية، وأصحاب نضال بثبات النائب سعيد الأسمر في الالتزام والمواجهة. كما أنّ من الحكمة السياسية ألا يُختزل التغيير بإقصاء الكفاءة إنّما في استثمار ومنح فرصة إضافية لكل نائب أثبت أنه كان على قدر تطلعات اللبنانيين عموماً والقواتيين خصوصاً، عبر إسناد حقيبة وزارية تليق بخبرته وتُترجم حضوره إلى مسؤولية تنفيذية منتجة.
أمّا السؤال الذي يتردد على ألسنة خصوم القوات: كيف يُستبدل هذا العدد من الوجوه فيما يبقى سمير جعجع على رأس الحزب؟ فهو سؤال قد يبدو مشروعاً لمن ينظر من بعيد، لكنه في تقديري المتواضع يتجاهل حقيقة سياسية قائمة مفاده بأنّه حتى اللحظة، لا تلوح في الأفق شخصية قيادية تمتلك الحضور والكاريزما والصلابة السياسية التي يتمتع بها “الحكيم”، والسؤال الأجدر أن يُطرح، بعد عمر مديد له، ليس لماذا بقي، بل هل ستجد القوات يوماً شخصية بحجم الدكتور سمير جعجع؟
وفي ما يتصل بالنائب ستريدا طوق جعجع، فإنّ الانتقادات التي تُوجَّه إليها، سواء وُصفت بالفوقية أو غيرها، تبقى في إطار الانطباعات الشخصيّة، أمّا الوقائع فتشير إلى عمل متواصل على المستوى الإنمائي والاجتماعي، وإلى دور تحمّلته في مرحلة بالغة الحساسية حين كان زوجها في المعتقل، حيث أثبتت صلابة ومسؤولية نادرتين. والسياسة، في ميزانها العادل، تُقاس بالنتائج لا بالانطباعات، وبحجم العمل لا بحدة الصورة، فالناخب الذي يضع مصلحة منطقته فوق اعتباره الشخصي لا يقترع لشخص لأنه يُعجبه، بل لأنه يرى أثراً ملموساً لعمله في حياة بيئته وأهله.
بهذا المعنى، يكون التغيير قيمة حين يُدار بعقلانية، وتكون القيادة شرعية حين تُقاس بالكفاءة، ويكون الحكم العادل حين يُبنى على الوقائع لا على الميول. هذه هي المعايير التي ينبغي أن تُحتكم إليها أي قراءة سياسية نزيهة.



